أبو تمام الطائي وإيران
حبيب بن أوس الطائي، ولد في الشام، والآراء متضاربة في سنة ولادته، وفي صحة نسبه إلى طيء، وفي ديانة أبيه، وفي نشأته، وفي مذهبه الديني والسياسي. قيل إنه ولد سنة 188 وقيل 190 وقيل سنة 192. وزعم قوم أن أباه كان نصرانيًا اسمه تدوس، ثم حرّف إلى أوس. وقالوا إنه نشأ بدمشق وقيل إنه نشأ بمصر. وعن مذهبه قالوا إنه شيعي لقصيدته الرائية التي يفضل فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومطلعها:
أظبيةُ حيثُ استنت الكثُب العفرُ
رويدك لا يغتالك اللوم والزجرُ
وقالوا بأنه لم يكن شيعيًا ولكنه انجرف في الموجة العلوية التي أثارها المأمون.
ومن مجموع الأقوال المتضاربة يمكن أن نفهم أن الرجل نشأ في عائلة مغمورة فقيرة، عمل منذ نعومة أظفاره في حرفة ليكسب قوته بعرق جبينه.
لكن جوّ العالم الإسلامي آنئذ كان يوفّر الفرصة حتى لأبناء هؤلاء الفقراء ليتزودوا بالعلوم والمعارف. فالمساجد مملوءة بحلقات الدرس، والحضور فيها مفتوح لكل الطالبين. واختلف حبيب على هذه الحلقات فتزوّد منها معارف الدين والتاريخ والأدب، وأهّلته لأن يصبح سيد شعراء العربية.
غير أن حبيبًا كان فيه كل ما يدفعه لهذا الرقيّ، وخاصة الاستقلال في الشخصية، وهذه الصفة أهلته للإبداع ولأن يكون بين أنبغ الشعراء الموهوبين، ونأت به عن التقليد في كل اتجاهاته الفكرية والأدبية. فنراه وهو في السابعة عشرة من عمره ينشد قصيدة في مدح آل البيت رسول الله (ص)، وفيها يسجّل ألوان الإبداع الفني إضافة إلى إبداعه في الفكرة والتوجّه إلى هذا البيت الكريم.
ويلاحظ في شعر أبي تمام الجمع بين الحسّ والعقل، وهو تزواج قلّما نجده في الشعر العربي، بل نجده كثيرًا في الشعر الفارسي. نرى ذلك بوضوح في المقدمات الغزلية لقصائده، من ذلك قصيدته التي مطلعها:
دمنٌ ألمّ بها فقال سلام كم حلّ عُقدة صبره الإلمامُ
وهكذا في أبياته عن تجارب الدهر كقصيدته:
عنّت فأعرضَ عن تعريضها أربي ياهذه عذري في هذه النُّكب
وأمثال ذلك في ديوانه كثير.
وابتعاده عن التقليد فجّر في شاعريته التجديد في المعاني، فنرى ديوانه مملوء بالمعاني المبتكرة وفي بعض قصائده يكاد لايخلو بيت من هذا الابتكار والإبداع كقصيدته التي يمدح المأمون ومطلعها:
كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي
لم تكمَدي، فظننت أن لم يكْمَد
وقصيدته التي يرثي بها محمد بن حُميد الطوسي:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
أو قصيدته البائية العظيمة في مدح عبد الله بن طاهر:
هنَّ عوادي يوسف وصواحبُه فعزما فقدما أدرك السؤل طالبُه
أو قصيدته التي يمدح بها المعتصم بعد وقعة عمورية:
السيف أصدق إنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
والظاهرة الهامة الأخرى في ديوان أبي تمام تفاعل شعره مع أحداث عصره بحيث تشكل صفحاته مرآة صافية لتاريخ أبناء ذلك العصر في الأبعاد النفسية والسياسية. من هنا تتضح أهمية دراسة شعر أبي تمام فنيًا وتاريخيًا.
إيران في عصر أبي تمام
دخل الإسلام إيران عن طريق القلوب، وتعاون الإيرانيون مع العرب للقضاء على طاغوت إيران، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وتفاعلوا مع الدين المبين حتى نبغ خلال القرن الأول إيرانيون في مختلف علوم الدين واللغة العربية وآدابها.
ويظهر من الوثائق التاريخية أن العرب الذين دخلوا إيران إبان الفتح الإسلامي كانوا يحملون - بصورة عامة - روح الدعوة والهداية، وعلى أيديهم انتشرت اللغة العربية وعلوم الدين، وبسلوكهم الإسلامي اجتذبوا ملايين الإيرانيين ليكونوا جنودًا للإسلام بفكرهم وعلمهم وسيفهم. لكننا نلاحظ في فترة متقدمة من الفتح سلوكًا منحرفًا من بعض الولاة، غير أن الخليفة عمر لم يكن يسمح لهذه الظاهرة بالاستمرار. وفي عصر الخليفة عثمان بدأ منحنى أخلاق الولاة بالهبوط، فأثار سخط أهل البلاد المفتوحة. والإمام علي بعد توليه الخلافة سارع إلى تغيير مسار هذا الانحراف فأرسل إلى البلاد المفتوحة صلحاء الصحابة والتابعين ما أمكنه ذلك، ونقل عاصمته إلى الكوفة ليكون قريبًا من الإيرانيين الذين يشكلون الغالبية العظمى من المسلمين غير العرب.
ولم تُثن الوسادة لعليّ، وبعد شهادته واستيلاء البيت الأموي على الحكم عاث معظم الولاة الأمويين فسادًا في الأرض، وتجبروا وطغوا وساموا الناس سوء العذاب. ولولا مرور الإيرانيين - ولو لفترة قصيرة - بتجربة الحكم الإسلامي وخاصة خلال سنوات حكومة عليّ، ووجود الدعاة العلويين بينهم، لارتدّوا عن الدين بسبب ما رأوه من مفارقات سلوكية لدى الولاة بشكل خاص، ولدى القبائل العربية التي بدأ الصراع القبلي بينها على أشدّه، بتأثير السياسة الأموية، وخاصة في خراسان.
وبمرور الأيام ازداد حنين الإيرانيين إلى الحكم العلوي وسخطهم على الحكم الأموي (لا على العرب). واستغل الثائرون ضد بني أمية هذه الروح لدى الإيرانيين، فجنّدوهم في ثوراتهم. ثم استطاع أبو مسلم الخراساني أن يجند أكبر عدد منهم تحت شعار «الرضا من آل محمد»، وتوجّه بهم إلى الشام فاستأصل شأفة الأمويين.
ويظهر من الوثائق التاريخية أن أبا مسلم الخراساني كان ذا شخصية قوية قيادية نافذة. فدخل في عواطف الإيرانيين وقلوبهم، وأصبح رمزًا لإنقاذهم من الظلم والطغيان وإعادة العدل العلوي وحكومة آل بيت رسول الله (ص) إليهم. لكن وثوب العباسيين على الحكم وسحقهم كل القيم الإنسانية من أجل السيطرة على الخلافة قد أصاب الإيرانيين بإحباط كبير، فلقد شاهدوا مقتل أبي مسلم على يد المنصور، ثم بطش الخليفة العباسي بأقاربه وبمن وطّدوا له الحكم، ونكبة البرامكة، واقتتال الأمين والمأمون، ومحاربة العلويين ومطاردتهم، كل ذلك أبعد الخلافة عن كل قدسيّة في أذهان الناس عامة والإيرانيين بشكل خاص، وتحوّلت المسألة الإسلامية إلى مسألة صراع مصلحي على الحكم والسيطرة، وكانت هذه الصدمة هي أيضًا كافية لأن تحدث ردّة عن الإسلام لولا وجود الدعاة والمصلحين بين الإيرانيين وخاصة من آل بيت رسول الله(ص). وكان بإمكانها أن تعبىء جيشًا خراسانيًا آخر نحو عاصمة الخلافة العباسية لولا اهتمام الخلفاء العباسيين بإغداق الأموال والجوائز على وجوههم وقوادهم، واستخدامهم في إدارة الجيش والحكم، والتظاهر بحب العلويين مثل تولية المأمون الإمام الرضا عهدَه، لكن هذا الاصطناع كله لم يمنع من ظهور حركات انتقام لمقتل أبي مسلم، ومحاولات انفصال عن الخلافة العباسية نشاهدها بكثرة ووضوح في عصر المأمون والمعتصم وهو عصر شاعرنا أبي تمام.
النصوص التاريخية تتحدث عن هذه الحركات بتحامل، وتنسب إليها عقائد منحرفة وأعمالاً مستهجنة، ومن المحتمل جدًا أن يكون في ذلك كثير من الافتراء، لأنها تقوم على أساس روايات السلطة العباسية الحاكمة. لكننا لا نستطيع أن ننزه هذه الحركات أيضًا، لأنها لم تكن موضع تأييد الصالحين من أبناء ذلك العصر.
بعد مقتل أبي مسلم تظهر فجأة جماعة الراوندية نسبة إلى راوند القريبة من أصفهان. ويقال إن زعيمها الابلق تكلم بالغلوّ في علي والأئمة من ولده، ثم ظهرت جماعة المقنّعة في عهد الخليفة المهدى (158 - 169ه-). بخراسان، وتدعو إلى تقديس علي بن أبي طالب وأبي مسلم الخراساني كما يقول المؤرخون. وفي عصر المأمون ثار بابك الخرمي انتقاما لأبى مسلم الخراساني واستمرت ثورته إلى زمان المعتصم. وفي بداية حكم المعتصم ثارت جماعة المحمّرة بالجبل، وكانوا على نهج الخرّمية، فقاتلهم اسحق بن إبراهيم المصعبي (ممدوح أبي تمام) وقضى عليهم. ويلاحظ أن الخلفاء العباسيين استعانوا بقادة إيرانيين للقضاء على هذه الثورات. غير أن بعض هؤلاء القادة أنفسهم أحسّوا بأنهم يقاتلون في سبيل خليفة لا يحظى بأية قدسيّة ولا يستحق أية مكانة دينية، فحاولوا أن يستقلوا ببلدانهم عن الخلافة الإسلامية كما فعل عبد الله بن طاهر الذي استقل بخراسان وأسس الدولة الطاهرية فيها. غير أن بعض هؤلاء القادة أراد الإطاحة بالخلافة العباسية نحو ما فعل «المازيار» الذي لمع نجمه في أيام المأمون وتولى قسمًا من طبرستان، ولكنه في أيام المعتصم ثار ضد الخلافة العباسية، ويقال أنه راسل بابك في هذا الأمر.
ومثل مازيار «الافشين» ، وهو من بلاد ما وراء النهر (خراسان الكبرى) قاد الجيوش في حرب عمورية، وأبلى بلاء حسنًا في حرب بابك الخرمى، لكن المعتصم شك في نواياه فقتله شرّ قتله بعد أن نسب إليه كل قبيح من العقائد والأعمال.
أبو تمام في خراسان
قصد أبو تمام خراسان حين كان عبد الله بن طاهر واليًا على خراسان والمشرق. وعبد الله هذا ابن طاهر بن الحسين القائد الخراساني الذي حارب الأمين وقتله، ووطد الحكم للمأمون. وتولى خراسان والمشرق سنة 205، واستقل عن الخلافة وترك الدعاء للخليفة المأمون سنة 207. وعبد الله ابنه تولى مصر ثم تقلب في الأعمال حتى تولى أمر خراسان والمشرق بعد وفاة أبيه وأخيه مصعب سنة 214.
كان عبد الله عظيمًا في شخصيته وكرمه وعلمه وأدبه. عرفه أبو تمام وهو في مصر، وعزم على الذهاب إليه سنة 219.
ويسير أبو تمام نحو إيران حتى إذا بلغ قومس وقد أتعبه السفر قال:
يقول في قومس صحبي، وقد أخذت
منّا السُرى وخطـــا المهريــــــة القود
أمطلعَ الشمس تبغـــــي أن تــــؤمّ بنا
فقلت كلا ولكـــــن مطلــــع الجـــود
وحين وصل إليه أنشده قصيدته البائية الرائعة التي ذكرنا مطلعها آنفًا. ويختتمها بقوله:
|
ويا أيها الساعي ليُدرك شأوّه |
|
تزحزح قصيّا أسوأُ الظنّ كاذبُه |
وكان في مجلس عبد الله بن طاهر جمع من الشعراء، فهاجوا وماجوا حين استمعوا إلى القصيدة، فصاح أحدهم: ما يستحق مثل هذا الشعر غير الأمير أعزه الله. ونادى آخر: لي عند الأمير جائزة وعدني بها وقد جعلتها لهذا الرجل جزاء عن قوله للأمير. ونثر عليه عبد الله ألف دينار فلم يمسّ أبو تمام شيئًا منها والتقطها الغلمان. وقد يكون هذا الموقف من أبي تمام قد أغضب الأمير لأنه ترفع عن برّه، لأننا نجد عبد الله قد جفا الشاعر وأهمله زمنًا بعد إنشاد هذه القصيدة. وقد تكون هذه الجفوة بسبب انجراف أبي تمام في موجة العصبيات القبلية التي كانت سائدة بين القبائل العربية في خراسان، وبين هذه القبائل وغيرها من الإيرانيين أصحاب البلاد الأصليين. فنجد أبا تمام يشير في قصيدة أنشدها بخراسان إلى انقسام صفوف العرب بين عدنانيين وقحطانيين، ولكنه بدل أن يدعوهم إلى نبذ العصبيات الجاهلية بمنطق إسلامي، يدعوهم إلى نبذها بمنطق جاهلي آخر، فيحذرهم من التفرق كي لا يتغلب عليهم الفرس. وهي استثارة عصبية جاهلية تستفز الإيرانيين. عادة، وقد تكون قد استفزت عبد الله بن طاهر الإيراني.
يقول أبو تمام يمدح حفص بن عمر الأزدي الذي جمع بين القبائل العربية المتطاحنة:
|
ضممت إلى قحطان عدنان كلّها |
|
|
|
|
ولم يجدوا إذ ذاك من ذاك من بد |
|
ثم يحذر العرب من سيطرة الفرس بلغة مهينة بالإيرانيين:
|
وأوباشها خزر إلى العرب الألى |
|
|
|
|
لكيما يكون الحرُّ من خول العبد |
|
|
وما قصدوا إذ يسحبون على المنى |
|
|
|
|
برودهم إلا إلى وارث البرد |
|
|
وراموا دم الإسلام لا من جهالة |
|
|
|
|
ولا خطأ، بل حاولوه على عمد |
|
|
فمجّوا به سمًا زعافًا ولو نأت |
|
|
|
|
سيوفك عنهم كان أحلى من الشهد |
|
وهي غطرسة عنصرية لا تخدم المصلحة الإسلامية أبدًا، بل تخلق الضغائن في النفوس، وخلقتها بالفعل في نفس الأمير عبد الله بن طاهر، فحرم الشاعر من بحر جوده وأصبح يعاني الغربة، فيقول:
|
صريع هوى تغاديه الهموم |
|
بنيسابور ليس له حميمُ |
ولم ينقطع أبو تمام عن باب ابن طاهر في خراسان، ولم يزل كذلك حتى رضي عنه.
أحداث إيران في شعر أبي تمام
في سنة 220 كانت موقعة «أرشق» التي هُزم فيها بابك، فقال أبو تمام شعرًا في هذه الموقعة وفي الافشين قائد جيش المعتصم وفي قواد آخرين. ويواصل أبو تمام قصائده المستمدة من هذه المعارك حتى سنة 223 حين أخذ بابك. ومن القواد الذين مدحهم في هذه المعارك أبو سعيد محمد بن يوسف الطائي الثغري (نسبة لعمله معظم أيامه في ثغور المسلمين)، أحد قواد هذه المعارك، وهو من مرو، وله فيه قصائد كثيرة منها الدالية:
فاشدد يديك على يدي وتلافني من مطلبٍ كدِر الموارد راكد
ومن هؤلاء القواد مهدي بن أصرم وهو طائي، وله فيه قصيدة مطلعها:
خذي عبرات عينك من زماعي وصوني ما أذلت عن القناع
ويقول فيه:
عميدُ الغوث إن نُوَب الليالي سطت وقريعها عند القراع
وحين يقتل - محمد بن حُميد الطوسي الطائي في معاركه مع بابك يرثيه أبو تمام بقصيدة رائعة ذكرنا مطلعها وفيها يقول:
|
وما مات حتى مات مضرب سيفه |
|
|
|
|
من الضرب واعتلت عليه القنا السمر |
|
|
فأثبت في مستنقع الموت رجله |
|
|
|
|
وقال لها: من تحت أخمصك الحشر |
|
والبيت الأخير إشارة إلى ثبات الطوسي في المعركة بعد أن فرّ مَنْ حوله من المقاتلين.
ثم يسجل أبو تمام انتصار الخليفة على بابك سنة 223 فيشيد بالخليفة وبالافشين في ثلاث قصائد مطلع الأولى:
|
غدا الملك معمور الحرا والمنازل |
|
|
|
|
منوّر وحف الرّوض عذب المناهل |
|
وفيها يقول عن الافشين:
|
لقد لبس الأفشين قسطلة الوغى |
|
|
|
|
محسًا بنصل السيف غير مواكل |
|
والثانية:
|
آلت أمور الشرك شرّ مــــــــــــــآل |
|
وأقرّ بعــــــــــــــــــد تحفظ وصيال |
ويذكر فيها الافشين أيضًا إذ يقول:
|
فرماه بالأفشين بالنجم الذي |
|
صدع الدجىصدعالرداءالبالي |
ويخصص قصيدة لمدح الأفشين مطلعها:
|
بــــذّ الجــــلاد البذّ فهو دفينُ |
|
ما إن به الاالوحوشَ قطين |
ويقول فيها:
|
بل كان كالضحاك في سطواته |
|
|
|
|
بالعالمين وأنت إفريدون |
|
|
فسيشكر الإسلام ما أدليته |
|
|
|
|
والله عنه وبالوفاء ضمين |
|
وفي ديوان أبي تمام مدح لإسحاق بن إبراهيم المصعبي الذي أرسله المعتصم لإخضاع المحمّرة المار ذكرهم، في قصيدة مطلعها:
|
خشنْت عليه، أختَ بني خُشين |
|
وأوقع فيك قول العاذلين على البلوى يعرّس بين ذين |
وقال أخرى مطلعها:
أصغى إلى البين مفترًا فلا جرما إن النوى أسأرت في عقله لَـمَما
وفيها يقول:
ويوم الأخيرج والألباب طائرةٌ لولم تكن حامي الإسلام ما سلما
وحين قلب الخليفة ظهر المجن لافشين ونكل به سجّل أبو تمام هذه الحادثة مادحا الخليفة مصورًا كفران الافشين بالنعمة في قصيدة مطلعها:
الحق أبلج والسيوف عوار فحذار من أسدِ العرين حذار
وفيها يقول:
ما كان لولا فحش غدرة خيذر ليكون في الإسلام عام فجار
مازال سرّ الكفر بين ضلوعه حتى اصطلى سرّ الزناد الواري
وهكذا نرى أنّ أبا تمام يسجل الأحداث الهامّة التي ألمت بإيران في عصره.
أثر إيران في شعر أبي تمام
يرى النقاد أن المعارك التي شهدها أبو تمام في إيران «قد أعطت شعره لونًا جديدًا. ذلك أن شعر أبي تمام قبلها كان لا يكثر فيه وصف الحرب، أما بعد هذه الموقعة فقد كثر كثرة جعلته من مميزات شعره».
وليس هذا فحسب بل إن شعر أبي تمام قد حدثت فيه نقلة نوعية بعد سنة220. فهذه السنة «وما بعدها من حياة أبي تمام هي السنين التي يبدو فيها خصبه النفسي بأجلى ما ظهر في شعره طول حياته». و «رحلة أبي تمام إلى خراسان ختام طور من أطوار تاريخ شعر أبي تمام، وبدء طور جديد يتميز عن جميع عهوده الماضية. فبعد رجعة أبي تمام من خراسان يبدأ دور أنضج شعره وأكمله. ففي قصائده طول غير متكلف، وخصب واضح ولين، وفي التيار النفسي الجاري فيها أريحية وحلاوة، وفي حسّه تركز وعمق».
وإثبات هذه الأحكام يحتاج إلى دراسة لما قاله من شعر بعد سفره إلى خراسان، وهو مالا يستوعبه هذا المقال، لكنها بحق دراسة تستحق الاهتمام من الباحثين في الأدب العربي، وخاصة من يهمهم التواصل الثقافي بين إيران و العرب.
وما هو العنصر الذي توفر لأبى تمام في إيران حتى جعل شعره يتميز بنضوج أكثر وخصب وأريحية وحلاوة وتركز وعمق؟ في اعتقادنا أن الحريّة التي توفرت لأبى تمام في إيران هي التي فجّرت في نفسه هذه الطاقات الكامنة. لقد ابتعد الشاعر عن مركز الخلافة وحاشية الخلافة، فأصبح يعيش في جزء كبير من حياته لعواطفه ومشاعره الخاصّة، لا للخليفة والأمير والوزير. وكان عبد الله بن طاهر في شخصيته الأدبية ومكانته المرموقة غير مكترث بأبي تمام، ولذلك تركه حالما رأى منه مايسيئه. وهذا أدّى إلى عدم ارتباط الشاعر ببلاط ابن طاهر، وإلى أن تتوفر له فرصة إنشاد الشعر الواقعي الذي يعبر عن شعور الشاعر. ثم إن الهجرة والتفاعل الثقافي بين الشاعر العربي والبيئة الفارسية من عوامل الخصب والنماء في الثقافات والحضارات، وهذا ما نراه عند كل الشعراء النابهين الذين زاروا إيران.
ومسك ختام زيارة أبي تمام لإيران تأليفه كتاب «الحماسة» فانه لما وصل همدان، وكان في زمن الشتاء، والبرد بتلك النواحي شديد، قطع عليه كثرة الثلوج طريق مقصده، فنزل عند بعض وجوه المدينة. وكان بيته عامرًا بالكتب وفيها دواوين العرب، فتفرّغ أبو تمام لمطالعتها، واختار منها كتاب «الحماسة» وعليها شروح كثيرة، أشهرها شرح التبريزي، وشرح المرزوقي.
مصدر : ثقافة التقریب
العدد 17
تاريخ آخر تحديث (الثلاثاء, 30 مارس/آذار 2010 08:14)



