الفقيه المجدِّد... السيد محمد حسين فضل الله نموذجاً

ومعلوم أن السيد ينتمي إلى مدرسة النجف الأشرف العلمية، حيث ولد ونشأ فيها ودرس وتعلّم، على كبّارها وأفذاذها، في حلقةٍ علمية متواصلة، توارثت فيه هذه المدرسة التركة العلمية الضخمة، التي وقف السيد عليها من خلال أساتذته وشيوخه من أمثال: السيد أبو القاسم الخوئي، والشيخ حسين الحلي، والسيد حسن البجنوردي، والسيد محمد الروحاني، والشيخ عباس الرميثي وأخرين.
ومن جانب آخر، فقد عاش السيد مجتمعاً آخر في الوقت الذي عاش فيه مجتمع أمثال هؤلاء الفقهاء، فقد لازم نخبة من الفقهاء والعلماء الشباب ، جمعوا بين قديم النجف وحديث العصر الوافد، وفي مقدمتهم السيد محمد باقر الصدر، وهو ما أعطى السيد بُعداً آخر في تكوين شخصيته، فهو الفقيه التقليدي نسبة إلى الفقه المعروف بآلياته ووسائله، وهو الفقيه الذي تشبّع برؤيةٍ جديدة للفقه دونما فصلٍ له عن مناخه الإسلامي والرؤية الشاملة لهذا الدين.
وقد تشكّلت هذه الرؤية من خلال تراكم المنجز الثقافي/الفكري وحجم المنجز العلمي وتطور الحياة من جهة، وضغط الواقع المتغيّر سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي عموماً من جهة أخرى، وهو ما طبع فقه السيد ورؤيته بأبعاد مهمة عديدة لعلّ من أهمها:
أولاً: البعد الواقعي:
يتسم فقه السيد بالواقعية في النظر إلى المسائل الفقهية بعيداً عن النظرة التجريدية أو الافتراضية التي لا واقع لها، كما دأب على ذلك بعض الفقهاء حيث سادت الفقه أجوبة جاهزة (معلّبة) لا مبرر لها إلا كونها صحيحة فنياً وصناعياً.
ولذلك نأى بنفسه عن عددٍ من الافتراضات التي يألفها الفقهاء، وثمة عدد من الموارد التي يمكن أن نشير إليها، غير أننا نحجم عن ذلك لجهة أنَّ هذه الموارد من اختصاص الفقهاء.
ثانياً: البعد العلمي:
في ظل التطور العلمي والتقني في العالم، تقفز إلى ساحة البحث العلمي الفقهي عدة مسائل، تفتقر إلى أجوبة شرعية شافية وواضحة، وسيكون الفقيه ملزماً بتقديم الحلول الشرعية تجاه هذه الصيغ والأوضاع المستجدة التي لا يمكن تجاوزها والقفز إليها، لأنها أوضاع بدأت تفرض هيمنتها على حياة المسلمين.
وهناك عدد كبير من المسائل المستجدة التي طرحت على بساط البحث الفقهي من قبيل: التلقيح الصناعي، أطفال الأنابيب، تنظيم الأسرة عن طريق بعض الوسائل الطبية، مثل اللولب وعقد الرحم، والتشريح، ومني المرأة والاستنساخ، وثبوت الهلال بالوسائل الفلكية...
وللسيد حضور كبير فاعل في بحث هذه المسائل ومتابعتها ومحاولة الإفادة منها، ولعلّ دوره الأساس في (بحث مسألة ثبوت الهلال بالوسائل الفلكية)، مما لا يخفى، إذ إنه وإن لم يكن الأول في طرح هذه المسألة، إذ كان للشهيد محمد باقر الصدر إسهام في الإشارة إليها مطلع السبعينات، إلاّ أنه قلّما عُرف فقيه طرح المسألة بهذا العمق والخصوصية والوضوح كما طرحها السيد، على مستوى النظرية وعلى مستوى التطبيق.
ثالثاً: البُعد المجتمعي:
ينظر السيد إلى الفقه الإسلامي كإطار تشريعي منظِّم للفرد والمجتمع، وهو بذلك يتجاوز الفرد إلى الاجتماع الإنساني، مما يجعل هذا الإطار التشريعي صالحاً للوفاء بمتطلبات هذا الاجتماع، وهو ما يغفل عنه عدد من الفقهاء، أو على الأقل لا يشعرون بضرورته. ولذلك دعا السيد في جملة عدد من الفقهاء المتنورين، إلى ضرورة إعادة النظر في مناهج الفقيه في مقام استنباط الحكم الشرعي، والكشف عنه من أدلته المعتبرة شرعاً، وهي مناهج تتحدد أساساً طبقاً لهدف الاجتهاد نفسه الذي يمكن تلخيصه برفد حركة المسلمين أفراداً ومجتمعاً ودولة.
وربما تساعد هذه الرؤية على حل بعض الإشكاليات القائمة لفهم بعض النصوص، وفي المجالات الحيوية تحديداً. وعلى سبيل المثال نشير إلى مسألة حصر الزكاة في (الغلاّت الأربع)، وهي القمح والشعير والتمر والزبيب، وهذه مسألة خطيرة جداً ،إذ تستثني الغلاّت الأخرى على أهميتها ودورها الاقتصادي والمالي في رفد الميزانية العامة.
والموقف الفقهي السائد في مدرسة أهل البيت (ع) يميل إلى حصر الزكاة في هذه الغلات الأربع دونما تعدّ إلى غيرها إلا بالعناوين الثانوية وهي الموجبات التي لا تفرض إلا لسبب طارئٍ لولاه لا يكون ذلك موجباً، فيما ينظّر السيد فضل الله لموقف آخر يقوم على قراءة النصوص الواردة في الحصر بالغلاّت الأربع على أنها أحكام ولايتية، وهي الأحكام التي ليست واجبة بأصل الشرع وإنما تجب لجهة صدورها عن الحاكم أو السلطة الشرعية، وذلك بقرينة ما ورد في بعضها بقوله: "وعفا رسول الله (ص) عما سوى ذلك"، على نحو يفيد أن كلمة (العفو) في الروايات ظاهرة في أنها حكم مؤقت على خلاف التشريع العام، ما يعطي القوة والرجحان للروايات المعارضة والتي تؤكد شمول الزكاة لغير الغلات الأربع.
وعلى هذا الأساس، حذّر السيد من محاولات تقزيم الشريعة تبعاً للاتجاه النفسي للفقيه، عندما يتّجه نفسياً نحو الأحكام التي تتصل بالسلوك الخاص للأفراد على حساب الجانب الاجتماعي وما يتصل بالدولة. وفي غمرة هذا الاتجاه، سادت النظرة التغليبية للطابع العبادي للموارد الفقهية وإنْ خارج المسائل العبادية، لتتعدى إلى الجانب الاجتماعي والمالي والاقتصادي، في وقت يبعد أن يتصدى الشارع لتنظيم حياة الناس وفقاً لمقولاتٍ ملغّزة وأسرار لا يمكن للإنسان الوقوف عليها.
ففي موضوع الإجارة أيضاً يلتزم الفقهاء بثبوت حق المشتري الجاهل بالفسخ أو الإمضاء في حالة ما إذا كان قد أقدم على إجارة العين دون أن يعلم بأن العين مسلوبة المنفعة، دون أن يثبت له التعويض، وذلك بدعوى أن التعويض كحكم شرعي ثبت بدليل شرعي، وبالتحديد في العيوب الحقيقية، وكون العين مسلوبة المنفعة لا يبرر التعويض، لأنه عيب غير حقيقي.
وقد لاحظ السيد على هذا الموقف أنه يميل إلى التجزئة، وأن دعوى الفقهاء ثبوت التعويض في العيوب الحقيقية بدليل خاص محل تأمل، إذ الروايات الواردة وإن اختصت بالعيوب الحقيقية دون الحكمية (المقصود هنا العيوب غير الملحوظة وغير المرئية ماديّاً، لكنها عيوب تنقص من القيمة وإن لم تكن مادية)، فلأنها مورد أسئلة المستفتين، ولذلك تقتضي مناسبات الحكم والموضوع (والمراد هنا ما يناسب موضوع الحكم وأحكامه من أمثال هذا الموضوع فيعمّه الحكم الخاص) التعدي منها إلى العيوب الحكمية، لأن الارتكاز العقلائي، وهو ما يعتقد به العقلاء ويعملون به، لا يجد فرقاً بينهما.
وفي غمرة غلبة النظرة الفردية للفقه والشريعة، شاع الموقف الاحتياطي على نحو أصبح الفقيه أقرب منه إلى الإفتاء بالاحتياط منه إلى الموقف الحقيقي، دونما التفات إلى الآثار السلبية التي يتركها هذا الموقف على المستوى الفردي عبر خلق أحكام شرعية لا واقع لها سينظر لها الفرد على أنها أحكام الله، وعلى المستوى الاجتماعي الإنساني، وهي أي الأحكام قد تتصل بالناس على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، فيتحمل الإسلام عبء هذه الآثار دون أن يلتفت الفقيه إلى هذا المردود السلبي الذي أفرزه منهجه الفقهي الفردي. ولعلّ في مقدمة هذه الأحكام ما يتصل بالطهارة والنجاسة، وبالتحديد في مسألة التعاطي مع غير المسلمين.
الفقيه فضل الله - علامات فارقة:
تميَّزت الشخصية الفقهية للسيد بعلامات فارقة رئيسية - يمكن الإشارة إليها في هذه الدراسة، كونها تمثل المدخل الأساس للتعرّف على ملامح المنهج الفقهي عند السيد، والوقوف على تأثير هذه الخصائص على تفكيره الفقهي وآليات عمله المعرفي، في حقل الاجتهاد والاستنباط.
ولعلّ أهم العلامات الفارقة التي يلمسها الباحث - ودونما عناء أحياناً كثيرة - في شخصيته الفقهية، علامات ثلاث، قلّما يجدها في شخصيات فقهية عديدة تعيش في محيطه الاجتماعي أو في المقطع الزمني الذي يعيش فيه، وكونه أحد الشخصيات الناقدة، والجريئة، والمعاصرة، وهو موضوع دراستنا.
1- شخصية ناقدة:
تتميّز شخصية السيد الفقهية - كما هي في نواح أخرى - بأنها شخصية ناقدة، وذلك لأنه دائم التفكّر في موضوعات بحثه، ولا يكفّ عن التأمل فيها، وإنْ كانت مسائل ربما يعتقد البعض أنها من المتسالم عليها، ولا تثير تساؤلات أو تجتذب شيئاً من الإشكاليات، فهي - أي هذه المسائل - عند السيد محلٌ للتأمل والتفكير والفحص والنقد، سواءٌ على مستوى مقدماتها أو مضامينها.
وهو في هذا الميدان يمتلك قدرة مشهودة على التشكيك الإيجابي، دون أن يذعن أو يستسلم لضغوط ما هو شائع أو سائد أو مهيمن.
وهو - أي السيد - ناقد على مستوى المنهج أو على مستوى التفاصيل وتطبيقات هذا المنهج، إذ لم يُخفِ السيد امتعاضه الشديد من شيوع مناهج أو تطبيقات مناهج رأى أنها أثقلت الفقه تارة وقزَّمته تارة أخرى.
على مستوى المنهج يمكن أن نشير إلى عدة ملاحظات نقدية للسيد سجّلها بوضوح على ما هو سائد في بعض الأوساط الفقهية. ومن ذلك موقفه من الإفراط المبالغ فيه المتعلق باستحواذ المفردات والمقولات الفلسفية على أدوات الاستنباط وعملياته عند بعض الفقهاء التقليديين، وذلك دون أن يكون في الأمر ما يمنع من تحليل النص وقراءته، بطريقة تستند إلى مقولات معيارية وقواعد شبه ثابتة.
وفي سياق الحديث عن ملاحظات السيد النقدية على المستوى المنهجي، نشير إلى ما أسماه السيد بمتاهات الاحتمالات التي تشيع في البحث الفقهي / الأصولي دون أن يبلغ شيئاً حاسماً في الموضوع.
وفي ضوء هذه الملاحظة لاحظ السيد على مشهور الفقهاء المبالغة في احتمال الخصوصيات لعددٍ كبير من الأحكام وعدم تعميمها إلى موارد أخرى خشية الوقوع في محذور القياس والاستحسان. (الاجتهاد وإمكانيات التجديد في منهج التفكير - مقابلة مع السيد فضل الله - مجلة المنطق العدد /111/ لسنة 1995، ص76 وما بعدها).
وقد اعتبر السيد أن المبالغة في دعوى وجود أسرار في التشريع قد تضرّ بالعملية الاجتهادية وتقزّم الشريعة، وإلاّ فكيف أمكن التعميم ببركة ما يعرف بمناسبات الحكم والموضوع.
مع التذكير بأن السيد لا ينفي أن تكون ثمة أسرار تشريعية خصوصاً في مجال العبادات المحضة، ولكنه يرفض تعميم هذه الرؤية على المساحة الفقهية كلها (المرجع السابق نفسه، ص69). ومن هذا المنطلق دعا التفكير بمسألة اهتمام الشارع (الشريعة) بالمعاملات وسعة هذا التشريع، حيث احتمل أن يكون قد ترك الشارع الناس حرية التعامل واختراع المعاملات وفقاً لطريقة العقلاء، مع تحديد الخطوط العامة لحركة هذه المعاملات من دون الدخول بالتفاصيل كما هو الشأن العبادي والأخلاقي والتنظيمي العام. (المرجع السابق نفسه ص 69).
وإذا كان سجّل السيد ملاحظاته النقدية المنهجية، فإنه سجّل ملاحظاته النقدية على ما يمكن أن نسميه بالتطبيقات الفقهية، وذلك عبر الممارسة اليومية للفقهاء، من خلال قراءة النصوص الشرعية ومراجعة الأدلة، وتحديد الوظائف الشرعية، وهي مهمات جديرة بالتأمل وتستأهل الفحص والدراسة، وهو ما يبدو للفقيه - أي فقيه - مما يجعل كل مورد من هذه الموارد محلاً للخلاف والاختلاف.
2- شخصية جريئة:
تميزّ السيد على المستوى الفقهي –كما على المستويات الأخرى- بجرأة علمية خاصة، دفعت به إلى خوض غمار البحث في مسائل يتجنب بعض الفقهاء – عادة - البحث فيها، مع أنَّ عدداً منهم لا يخفي رغبته في نقد ما أصبح من المسلمّات أو الضرورات.
ولم يجد السيد بأساً في إثارة ما اعتبرت إثارته مدخلاً للخصومة. والإحتراب، طالما وجد السيد في التفكير بهذه المسائل شاناً علمياً، وهو حق الفقيه والمفكِّر، إذ لا يمكن تصور أن يذعن الفقيه أو المفكِّر لرغبات العامة وسيادة ما هو شائع ومشهور.
ومن هذا المنطلق عالج السيد مسائل فقهية ذات علاقة بالمرأة وحقوقها وشؤونها، وأخرى تتعلق بالطهارات والعبادات، وثالثة تتصل بالتجارات، ورابعة ما كان فيها من شؤون تنظيم المجتمع عموماً والشأن العام، لأنه افترض أن يكون الفقيه معنياً بهذه المسائل، وليس من حقه التخلي عن وظائفه لمجرد الخوف من سلطة العامة وغضب الحرس القديم إنْ صحّ مثل هذا التعبير.
ولعلّ من المستحسن أن نشير إلى عددٍ من هذه المسائل:
* ناقش السيد – بجرأة - اشتراط أن يكون القاضي شيعياً. وهو شرط ادّعى البعض دلالة الإجماع عليه واعتبره آخرون من ضرورات المذهب، واستظهر السيد من الروايات التي استدل بها على الشرط المذكور أنّ ليس ثمة دليل على لزومية هذا الشرط في القاضي، لأن هذه الروايات إما أنها ناظرة إلى القاضي الذي يتخذ تجاه أهل البيت (ع) موقفاً عدائياً سلبياً فيتنكر لدورهم ولا يعتمد على ما يتبنّونه من أسس القضاء وقواعده، بل يعتمد في قضائه وحكمه على جملة مدارك لا يصح الركون إليها كالقياس والاستحسان، أو أنها ناظرة إلى القاضي الذي كان منخرطاً في خدمة السلطة السياسية القائمة، ويشارك فيما تمارسه من جور ويساهم في تطبيق سياساتها وأهدافها ويضفي عليها الشرعية، وقد كان موقف الأئمة (ع) من مثل هؤلاء القضاة يندرج في إطار الموقف من السلطة السياسية وتوجهاتها الفكرية. (فقه القضاء- تقريراً لأبحاث السيد فضل الله بقلم الشيخ حسين الخشن - ج1/112).
* كما ناقش السيد في اشتراط الذكورة في القاضي عند الكثيرين، فلا يقبل ولا يصح قضاء المرأة، وذلك بدعوى الإجماع على ذلك فضلاً عن الأدلة اللفظية من الكتاب والسنة، وهو ما شاع إلى درجة أصبح القول بخلافه مستنكراً، ولكن للسيد تحفظه، إذ يرى أن مسألة عدم تولي المرأة للقضاء وعدم نفوذ قضائها محل تحفظ علمي ولا يعضدها الدليل، وما ذكر من أدلة لا ينهض لإثبات المطلوب لعدم تمامية الاستدلال به، سواء لجهة عدم صحته سنداً أو لعدم وضوح دلالتة. (المرجع السابق نفسه ص 133).
* وقد ناقش السيد - مطولاً- في ما اشتهر عند الفقهاء من عدم إنشاء العقد بالكتابة، وإنها تجربة في قرطاس – على حدّ تعبيرهم - وذلك لاحتمال العبث في الكتابة وعدم كونها صادرة عن جدٍّ، فلا تكون صريحة في إفادة المعاني، ولذا لا يجوز – عندهم – إنشاء العقد بها.
وقد علَّق السيد على هذه الدعوى: «إنَّ الكتابة اليوم تعتبر من أهم الوسائل التي تنعقد بها المعاملات، ويُنشأ بها التمليك ونقل المنفعة وغير ذلك. وذلك لجهة الظهور العرفي وجريان العقلاء وبنائهم على ذلك، والمراد هنا ما يشيع في العرف وعند الناس وما يسيرون عليه في حياتهم وفي معاملاتهم من بيعٍ وإجارةٍ وغير ذلك. وما يقال: عن أن الكتابة مجرد تجربة في قرطاسٍ فإنه جارٍ في اللفظ أيضاً، أي أن الإشكال يرد في اللفظ ايضاً، وذلك لأن القرينة الحالية وهي حال الإنسان في أثناء توقيعه أو تحدثه هي التي تعين القصدي الجدي للمتعاملين من حيث أنهم يعنون ما يقولون أو أنهم لا يعنونه ، وما جعل اللفظَ آلة للإنشاء فهو جارٍ في الكتابة أيضاً، وذلك لأن القرينة الحالية هي التي تُعيِّن القصد الجدي للمتعاملين. وإلّا فإنَّ لفظ (بعت) ونحوها ليست من الإنشاء في شيء، لأنها ظاهرة في الإخبار، وما جعلها ظاهرة في الإنشاء هو القرينة الحالية والعرف العام، وعليه فإذا قامت القرينة الحالية والعرف العام على اعتبار الكتابة في الانعقاد كفى ذلك، على خلاف ما هو المشهور». (فقه الشركة، تقريراً لأبحاث السيد فضل الله بقلم محمد الحسيني، ص 19 وما بعدها).
وقد استغرب السيد من الفقهاء (أو بعضهم) وهم يقبلون الوصية المكتوبة إذا ظهر كون ما كتب بعنوان الوصية، بل استغرب منهم الغفلة عن قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمى فاكتبوه...» (سورة البقرة/ الآية 282) فإن الأمر بالكتابة إرشاد إلى التوثيق باعتباره وثيقة يعتمد عليها عند الإنكار والجحود، وإلّا فلا فائدة منها ولا معنى للأمر بها. وهو ما يتجاوز توثيق الدين. (فقه القضاء، تقريراً لأبحاث السيد فضل الله – بقلم الشيخ الخشن، ج2/262 وما بعدها).
3 - شخصية معاصرة:
لعلّ من أهم خصائص الشخصية الفقهية للسيد هي كونه مع جملة من الفقهاء الآخرين معنيّاً بالعصر ومسائله وقضاياه، وهو لا يكاد ينفك عن التفكير في متطلبات الناس ومشاكلهم اليومية، وما يواجهونه في هذه الحياة، على المستوى الفردي والمستوى العام، لأنه يعتقد أن من مسؤوليات الفقيه الإجابة على هذه التساؤلات ومحاولة تذليل الصعوبات التي تواجه الناس بغية تكييفها مع الشريعة من جهة، ولئلا تشكِّل الشريعة قيداً وعبأ على الناس من دون مبرّر، كما هو حال بعض الفقهاء الذين لا يعنيهم من الأمر شيئاً ولو كان على حساب الشريعة نفسها، بدعوى أن ما تقتضيه الشريعة ذلك، وهو ما يظهر في عبء الاحتياطات التي سجّلها بعض الفقهاء بحيث أصبحت شريعة بديلة.
وعلى أية حال، فإن ما يميّز المدرسة الفقهية التي ينتسب إليها هو دوام التفكير بقضايا الناس وشؤونهم ومحاولة الوفاء بمتطلبات العصر الذي يعيشونه، وهو أمر لا يعني تطويع الشريعة لرغبات الناس كما يتصور البعض والالتفاف عليها، بل يعني تكييف الشريعة مع الواقع الذي يعيشه الناس كونها الشريعة التي تنظّم حياتهم وشؤونهم، إذ في الوقت الذي لا يمكن فيه تمييع الشريعة بذريعة العصرنة، فإنه لا يمكن - أيضاً - التحجّر عند قراءات تاريخية تمثِّل وجهات نظر فقهاء عاشوا قبل قرون عديدة.
انفتاح السيد على معطيات العصر دفعه إلى التواصل مع فعّاليات المجتمع العلمية ومراكز البحث المتقدمة، ومحاولة التعرّف على موضوعاتٍ جديدة وحقائق علمية مكتشفة حديثاً، وخصوصاً تلك التي تكون على تماسٍّ مع الشريعة، كونها موضوعات لأحكامٍ شرعية.
ويلاحظ على السيد أنه لم يتعاط مع موضوعاتٍ جديدة وحقائق علمية باستعلاءٍ أو بلا مبالاة كما قد يتعاطى عدد من الفقهاء، فيفوت عليهم تأثير هذه المعطيات العلمية في مدى دقة استنتاجاتهم في ما يتصل بهذه الموضوعات والحقائق. كما أن انفتاحه على هذه العوالم وفّر له ثقافة عالية بموضوعات عددٍ من الأحكام لم يتيسَّرللكثيرين من الفقهاء الآخرين.
* ومن بين المسائل التي تعاطى معها السيد بروحٍ عالية وبموضوعية شديدة موقفه من مسألة (الاستنساخ) إذ وقف السيد على تفاصيل هذه المسألة واطّلع من المختصين على جوانب عديدة تتصل بهذه التفاصيل، ولذلك اختلف موقفه عن مواقف عدد من الفقهاء الذين تعجّلوا في اتخاذ مواقف يمكن وصف بعضها بالعدائية فضلاً عن السلبية.
ويمكن تلخيص موقف السيد تجاه (الاستنساخ) بأنه لا يرى من الناحية الفكرية ما يمنع من شرعية هذه التجربة من حيث طبيعتها العلمية، لأنها لا تمثل من وجهة نظره تحدياً لإرادة الله، بل تحركاً داخل إرادته وفي إطار قانون الخلق الذي أبدعه الله تعالى، ورأى السيد أنَّ على علماء الدين أن لا يتنكّروا للاكتشافات العلمية، بل عليهم أن يدرسوا طبيعة أي اكتشاف علمي وطريقة الاستفادة منه وما يحمله من خير لمصلحة الإنسان، ولا يمكن لعالم الدين إنكار الحقائق العلمية،لذلك رأى ضرورة تأويل النصوص الدينية إذا تصادمت مع العلم القطعي فلا يجوز الوقوف بسلبيةٍ أمام أي نتائج علمية. وعليه اعتبر أن من المبكِّر إصدار فتوى تفصيلية فيما يتصل بالاستنساخ، و لابد من مراقبة نتائج التجارب الحاصلة وما يمكن أن تؤدي إليه من سلبيات أو إيجابيات. (الاستنساخ بين العلم والفلسفة والدين. د.حسام الدين شحادة، ص131 وما بعدها) و(الأخلاقيات الطبية وأخلاقيات الحياة، محاضرة للسيد فضل الله، ص20 وما بعدها).
* ولا تبتعد مسألة (زرع الأعضاء) عن مسألة (الاستنساخ)، حيث يرى السيد جواز استئصال عضوٍ من أعضاء الميت وزرعه في جسم حي، بناءً على قاعدة (التزاحم) المعروفة عن أصوليي المسلمين الشيعة أو بناء على (المصالح المرسلة) لدى المسلمين من أهل السنة، فصحيح أن السنة النبوية الشريفة ذكرت أن للجسد احترامه، لكن إذا دار الأمر بين أن نمنح هذا الميت الاحترام المعنوي الذي لا يُقدّم ولا يؤخِّر بالنسبة إليه شيئاً، وبين أن ننقذ حياة إنسان، فإنَّ من الطبيعي أن إنقاذ حياة الإنسان الذي يمكن أن يموت لو لم تُعْطهِ هذا العضو من الميت، هو أهم في نظر الشرع من أن نحفظ حرمة هذا الميت، وهو مما لا إشكال فيه عند الفقهاء جميعاً، إذا ما توقف إنقاذ حياة إنسان على أن نأخذ عضواً من أعضاء الميت، هذا فضلاً عن (الوصية) التي قد تبرِّر ذلك في ما إذا أوصى الإنسان قبل موته بنقل أعضائه بعد موته إلى آخرين، فإنه يكون قد أهدر احترام نفسه ويسمح بنقل هذه الأعضاء والتصرف بها إلى آخرين. (للإنسان والحياة - حوارات / إعداد وتنسيق السيد شفيق الموسوي، ص168 وما بعدها). و(فقه الحياة - إعداد أحمد أحمد وعادل القاضي ص162).
* وربما يظهر انفتاح السيد بشكل أوضح على معطيات العلم الحديث ومنجزاته في مسائل تتصل بتنظيم الأسرة وشؤون المرأة، ولذلك كان على اتصال مستمر مع المختصين بهذا الشأن، فأولى اهتماماً بتقاريرهم العلمية وخصوصاً القطعي منها، ولذلك رجّح روايات عدم وجوب الغسل على المرأة في حالات غير المعاشرة الجنسية الكاملة على روايات وجوب الغسل، وذلك لجهة الحقيقة العلمية التي لا ترى للمرأة (منيّاً) كما هو حال الرجل. (فقه الحياة - حوار مع السيد فضل الله - إعداد: أحمد أحمد وعادل القاضي، ص213 وص281).
ويظهر كذلك في موقفه من قضايا تنظيم الأسرة ومنع الحمل، إذا لم يجد بأساً في لجوء المرأة إلى وضع (اللولب) لجهة عدم القطع بكونه وسيلة من وسائل الإجهاض. (فقه الحياة، المرجع السابق، ص283).
ويجدر أن أُشير إلى موقف السيد من الإثبات بالقرائن الطبية في قضايا القضاء مثل فحص الحمص النووي (DNA)، إذ اعتبر السيد أن هذه القرينة قطعية ولذلك جاز الإثبات بها وذلك بتوسعة (البنية) في الأدلة الشرعية إلى كل ما يفيد البيان والوضوح. (فقه القضاء، ج2/ 270 وما بعدها).
* كما نشير إلى قضايا مهمة شغلت المجتمع المعاصر، وكانت موضع اهتمام السيد خصوصاً تلك التي تتعلق بعالم القضاء، سواءً كانت من المسائل الحديثة مثل ما يعرف بتدرج الأحكام القضائية وتعدد المحاكم، أو قضاء التحكيم، أو قضاء المرأة وتوليها هذا المنصِب.
ولم يجد السيد بأساً في ما عرف بتدرج الأحكام القضائية وتعدّد المحاكم، ولذلك أجاز استئناف الحكم القضائي في محكمة الاستئناف بعد صدور حكم من المحكمة البدائية كما هو حال المحاكم اليوم، ولم يعتبر السيد ذلك نقضاً للحكم القضائي الذي يحرم نقضه، وذلك بناء على تفسيره روايات تحريم النقض، إذا اعتبر أن الظاهر من الرد المنهي عنه في الروايات هو رفض الحكم من أساسه، إما لاعتقاده بعدم شرعيته وحجيته رغم كونه صادراً وفقاً للموازين الشرعية، وإما لتنكّره ورفضه الانصياع له عصياناً وتعنّتاً، وهو لا يشمل حالة ما لو استأنف الحكم لاعتقاد بخطأ مستند القاضي الأول، وهو ما يسمح بمراجعة القضية ومعرفة ما إذا كان قد صدر الحكم بها وفقاً للموازين القضائية الشرعية. (فقه القضاء، المرجع السابق، ج1/ 222 وما بعدها).
وأما موقفه من قضاء المرأة وتوليّها لمنصب القضاء فقد جاء منسجماً مع تحرره من الرؤية التقليدية والتراث الذكوري السائد الذي ينظر بدونية إلى المرأة عموماً، والذي سمح بتأصيل فقه يتناسب مع هذه الرؤية. ولذلك ناقش السيد مستندات هذه الرؤية ولم يجد فيها ما يصلح ليكون مستنداً لحكم من هذا القبيل. (فقه القضاء، المرجع السابق، ج1/ 123 وما بعدها).
وأما بخصوص قضاء التحكيم وهو ما يسميه السيد بالقضاء الشعبي، فقد ناقش السيد الأدلة التي قيل إنها تدل على عدم شرعية هذا القضاء وخصوصاً في عصر غيبة الإمام (ع)، ويجد السيد شرعيته في سيرة العقلاء والتي تمتد منذ ما قبل الإسلام وإلى ما بعدها، وهي سيرة لم يردع عنها الشارع وبما يتناسب مع رسوخها وعمقها التأريخي. ولكن يقصر السيد في شرعية هذا القضاء على ما اسماه بالقدر المتيقن وذلك بأن يتصف قاضي التحكيم بمقدارٍ من العلم والخبرة بأسس القضاء الإسلامي، وإن لم يشترط اجتهاده، وذلك لئلا يكون قضاؤه مخالفاً للأحكام الإسلامية وأن يتحلّى بمقدار من النزاهة والتجرّد وحسن السمعة وما يبعث على الثقة به والركوَّن إلى رأيه. (فقه القضاء، المرجع السابق، ج1/ 184 وما بعدها).
ومهما يكن من أمر، فإن ما يميّز السيد هو انفتاحه على عصره والتفكير الدؤوب والجاد بقضايا الناس ومدى تأثر حياتهم بالتطورات والمنجزات العلمية والإدارية والتنظيمية، وهي تطورات لا يمكن تجاهل تأثر الدرس الفقهي بها، وضرورة الاستجابة الفقهية لها.
وربما يُسهم التعرف على موقف السيد من المنجزات العلمية في علم الفلك من جهه، وتطور الحياة الاقتصادية والتجارية من جهة أخرى، وتعاطيه مع مسائل الفقه التي تتأثر بها، في تأكيد البُعد التنويري في حياة السيد عموماً والجانب الفقهي خصوصاً، وهو ما نشير إليه في معالجاته الفقهية لمسألة ثبوت الهلال وفقاً لمعطيات علم الفلك ومعالجاته الفقهية لما يعرف بالشخصية المعنوية في القانون ومدى اعتراف الشريعة بهذه الشخصية.
ومن المسائل العلمية التي أولاها السيد اهتماماً بالغاً مسألة دور علم الفلك في إثبات أول الشهور إذ أنَّ المعروف أن الرؤية هي الأساس في ثبوت هلال شهر رمضان وفقاً لما هو المروي من طرق العامة والخاصة، ولكن وقع أخيراً البحث في إمكانية ثبوت هلال شهر رمضان بغير الرؤية وعدمها، كما لو ثبت علمياً وبشكل قطعي ولادة الهلال، فهل يجوز التعويل على ذلك أو لا ؟.
ومن جهة نظر السيد - في وقت من الأوقات - فإن الرؤية لم تؤخذ قيداً في الموضوع، وإنما أخذت كطريق ووسيلة إلى ثبوت الهلال باعتبارها الطريقة المتاحة يومذاك، في مقابل الطرق الأخرى الظنية التي لا يمكن التعويل عليها بخلاف الرؤية باعتبارها الطريق اليقيني الوحيد يومذاك. ولذا قامت البيِّنة والشياع المفيد للعلم مقام الرؤية، ولو كانت مأخوذة كقيد في الموضوع لما أمكن قيام ذلك مقامها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يمكن أن نستفيد من الأخبار اعتبار فعلية الرؤية أو إمكانية الرؤية على اختلاف بين العلماء، لأن الأخبار التي أناطت ثبوت الهلال بالرؤية ليست في مقام الحصر، وإنما هي في مقام اعتبار الرؤية طريقاً لإحراز الشهر مقابل الشك والظن، وعليه فإذا ثبت بطريق قطعي أن الهلال خرج من تحت الشعاع كفى ذلك الحكم بثبوت الهلال، ما دام الجميع متفقاً على أن الفرق بين بداية الشهر ونهايته هو دخول القمر في مرحلة المحاق وخروجه من المحاق.
وقد عمد السيد إلى تفسير الروايات التي أناطت بثبوت شهر الرؤية بما لا يتنافى مع المعطيات العلمية للفلك، لأن روايات الرؤية لا تنفي ذلك.
وعليه فلو قامت وسيلة علمية قطعية يقينية قامت مقام الرؤية، لأن الرؤية ليست قيداً في الموضوع، ولم تؤخذ إلاّ كطريق يقيني وحيد متاح للمسلمين يومذاك. ولعل رواية الفضيل بن عثمان إشارة على ذلك. (ليس على القبلة إلاّ الرؤية، وليس على المسلمين إلاَّ الرؤية).
والمتحصل من وجهة نظر السيد: أن الأخبار في مقام التأكيد على الرؤية بما هي من المسائل الطريقية التي يتوصل بواسطتها إلى معرفة ثبوت هلال شهر رمضان أو ثبوت هلال شهر شوال، في مقابل الوسائل الظنية مسلوبة الحجية.
ونتيجة ما تقدم: فإن الصحيح أن بداية الشهر ونهايته بعد فرض تحققه بدخول القمر مرحلة المحاق وخروجه منها، إنما هو حقيقة كونية وليست حقيقة عرفية، ولذلك إذا ثبت دخول القمر هذه المرحلة أو خروجها منها بوسيلة علمية قطعية تنبئ عن هذه الحقيقة الكونية كفى ذلك في ثبوت بداية الشهر أو نهايته، ولا يحتاج بعد ذلك إلى اعتبار إمكانية الرؤية، إذ ليس ثمة ظهور في الأدلة السابقة يدل عليه.
وفي ضوء هذه النظرية يرى السيد وحدة الأفق لكل البلدان، وذلك بناء على كفاية خروج القمر من مرحلة المحاق أو دخوله المحاق وهو ما يسمى (بالولادة) من دون حاجة إلى إمكانية الرؤية ولذلك يكفي القطع بهذه الولادة، وعليه تتساوى البلدان جميعها في ثبوت هلال شهر رمضان أو ثبوت هلال شهر شوال للفطر. وبناء على ذلك لا حاجة للقيد الذي وضعه بعض الفقهاء - مع فرض وحدة الآفاق وعدم تعددها - بحيث تكون متفقة ولو في جزء من الليل، إذ شرطية مثل هذا القيد إنما هو بناء على شرطية إمكانية الرؤية التي قال بها هؤلاء الفقهاء.
بمثابة الخلاصة:
ولأنَّ الحديث عن السيد محمد حسين فضل الله قد يطول، وقد ملأ عالمه الفقهي الخاص - فضلاً عن العوالم الثقافية والاجتماعية والسياسية – فإننا نختصر الحديث بالإشارة غلى تأصيله لعددٍ من المفاهيم والمرجعيات الفقهية، ومن ذلك ما يمكن تسميته بالمرجعية القرآنية، من حيث كونها تشكّل مناخاً فكرياً للتشريعات. وفي ضوء المنهج الذي رسمه السيد لنفسه، رأى أن قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} قاعدة يمكن تعميمها إلى غير الخمر والميسر، فكل ما كان ضرره أكبر من نفعه فهو حرام، ولذلك حرَّم التدخين، بالرغم من أنَّ الآية الكريمة ليست واردة في التدخين بشكل مباشر، إلاّ إنه لا يمكن تجاهل تأسيسها لقاعدة عامة - وفقاً لرؤية السيد - يمكن من خلالها استكشاف حكم الشريعة في قضايا أخرى.
كما لاحظ السيد من جهة أخرى على المنهج الفقهي تفويت السموّ القرآني – إن جاز التعبير – لحساب الروايات، وهو منهج لا يرى السيد صحته وانسجامه مع اعتبار القرآن المرجع الأول للتشريع.
ومن ذلك أيضاً موقفه من الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم، وذلك من خلال القراءة التوحيدية والموضوعية، ولذلك يخلص السيد إلى القول إن الجهاد مشروع في نطاق شروطه الشرعية، ولذا فإننا – حسب رأيه - لا نستطيع اعتباره أصلاً، يحتاج تركه إلى الرخصة، بل ربما يبدو لنا أن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم، في الظروف التي يمكن للسلم أن يحقق النتائج المطلوبة للإسلام والمسلمين، حيث كانت الحرب هي السبيل المشروع لمواجهة حاجات الموقف ومشاكله، ولعل هذا هو الذي تشهد به الآيات القرآنية الكريمة، التي جاء بعضها كلمة ]أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا... [ [الحج: 39]. وفي بعضها الآخر: ] وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ ... [ [البقرة : 190].. وغيرها حيث جاءت هذه الآيات لتبرر تشريع الجهاد بالأسلوب المعلّل، الذي يفلسف التشريع بالحالات الطبيعية التي تفرضه وتبرّره، مما يجعل القضية تبحث عن وجود الحالة المبّرة، بدلاً من العكس.
ولعل هذا ما توحي به ـ إلى جانب ذلك ـ الآيات التي تدعو إلى السلم، عندما يخلد الآخرون إلى نداء الإسلام أو يطلبونه ابتداء كما في قوله تعالى:
] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ[ [البقرة : 208].
]وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ[ [الأنفال: 61]. وهو ما يمكن أن يستوحى من الآية الكريمة في قوله تعالى:
] لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[ [الممتحنة: 8 ـ 9].


